المعارضة وحق الشعب السوري في التغيير الديمقراطي حميدي العبدالله
البيان الذي صدر في أعقاب اجتماعات قوى معارضة الداخل ومعارضة الخارج في القاهرة، طالب بنقل السلطة وتشكيل هيئة انتقالية، وهو المطلب الذي طالما ردّدته قوى المعارضة، ولا سيما الائتلاف، والدول الداعمة له منذ صياغة تفاهمات ما عُرف بـ«جنيف 1»، كما طالب بأن يكون ذلك الانتقال تحت رعاية دولية وإقليمية.
الرعاية الدولية والإقليمية تعني الوصاية الخارجية على سورية، وهذا يشبه الانتداب الذي فرضته الحكومات الغربية على المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى بذريعة أنّ شعوب المنطقة التي خرجت من سيطرة السلطنة العثمانية غير قادرة على إدارة شؤونها بنفسها، وتبيّن أنّ الانتداب هو استعمار كامل الأوصاف للمنطقة اقتضى قيام ثورات كثيرة لإزاحته عن كاهل شعوب المنطقة، واليوم دعوة المعارضة إلى الرعاية الدولية والإقليمية لأيّ حلّ في سورية هي دعوة إلى فرض الوصاية والانتداب وإحياء التجربة الاستعمارية في سورية، واعتداء صريح على حق الشعب السوري في تقرير مصيره بنفسه، بعيداً عن كلّ أشكال النفوذ والوصاية الخارجية.
أما انتقال السلطة بقرار يتخذ من قبل جماعات لا تمثل إلا نفسها، وفي أحسن الأحوال تمثل أقلية ضئيلة، كما هو حال جماعات المعارضة، سواء الائتلاف أو هيئة التنسيق، فهو اعتداء على الديمقراطية وعلى حق الشعب السوري المقدّس في أن يقرّر بنفسه من يحكمه ومن لا يحكمه، وهذا الحق عادةً يجسّد بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع.
طبعاً ثمة ذريعة يتلطى وراءها المعارضون لرفض الاحتكام إلى الشعب وإلى صناديق الاقتراع، وهي ذريعة عدم ضمان نزاهة الاستفتاء أو الانتخاب، ولو كانت هذه الذريعة هي التي تفسّر مواقف قوى المعارضة لطالبوا بضمانات عبر مراقبة دولية للانتخابات لضمان نزاهتها ولما رفضوا مبدأ الاحتكام إلى الشعب وإلى صناديق الاقتراع، أي إلى الديمقراطية التي طالما تغنوا بها.
لكن قوى المعارضة على قناعة بأنّ مستوى التأييد لها في صفوف الشعب السوري، وأيضاً خلافاتها الحادة، وصراعات مرجعياتها الدولية والإقليمية على النفوذ، يجعل إمكانية ربحها للمعركة الديمقراطية في مواجهة الحكومة السورية معروفة سلفاً، ولهذا السبب، وليس لأيّ سبب آخر، تمسّكت المعارضة دائماً برفض الاحتكام إلى الشعب وإلى صناديق الاقتراع، وجاء الإقبال في المشاركة بالانتخابات الرئاسية في عام 2014 ليعزز هذه القناعة، ولذلك تطالب المعارضة بانتقال للسلطة عن طريق الضغط الخارجي، ومن خلال مصادرة حقوق الشعب السوري، وخيانة المبدأ الديمقراطي، والذي طالما زعمت أنها تتبناه في مواجهة «ديكتاتورية النظام الحالي».
لكن من المعروف أنّ الإصرار على صيغة «جنيف ـ1» بما تشكله من عملية انتقال بيروقراطية للسلطة عن طريق العنف والإرهاب وتحميل الدولة السورية المسؤولية عن الحرب الدائرة والمستمرة في سورية، والتي كبّدت البلاد خسائر كارثية في الأرواح والممتلكات، والتمسّك بهذه الأطروحة والإصرار عليها، يعني مواصلة هذا الخيار الانتحاري.
(البناء)