لماذا «غضب» السنيورة من تعديل نصرالله «قواعد الاشتباك» مع إسرائيل؟ ابراهيم ناصرالدين
انتهت مرحلة «حبس الانفاس» في المنطقة بخلاصة اجمع عليها «خصوم» «واعداء» ومؤيدو حزب الله، المقاومة ردت «بذكاء» «وحنكة» «وحكمة» في مزارع شبعا، ورئيس كتلة المستقبل فؤاد السنيورة وفريقه السياسي يدركان جيدا من خلال علاقاتهما الديبلوماسية الغربية والعربية المتشعبة، ان ما قام به حزب الله لم يكن مغامرة غير محسوبة وانما عملية محسوبة بدقة لجمت «جنون» رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتانياهو الذي تعرض «لتقريع» اميركي عال المستوى على تلك «الحماقة» التي ارتكبتها في الجولان. اذا حزب الله لم يكن «يلعب» على حافة «الهاوية» بل منع المنطقة من السقوط فيها من خلال اعادة الاعتبار لقواعد الاشتباك القائمة، ثم عمل على تعديلها وفقا للاستراتيجية التي تحدث عنها الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله تعزيزا للردع في سبيل حماية لبنان ومنع اسرائيل من التهور في مستقبل الايام. فلماذا اذا عبر رئيس كتلة المستقبل عن غضبه وانزعاجه؟ وما هو سر قيادته لهذه الحملة «الهستيرية» على معادلة لا تمسه بل تمس اسرائيل؟ ولماذا يتصدى دوما لحملات تضطره الى التذكير بعدم حاجته الى «فحص دماء»!
قبل الاجابة عن هذا السؤال، تقول اوساط رفيعة المستوى في الثامن من آذار انه لا بد من اجراء بحث بسيط حول اتهامات السنيورة لحزب الله بالتفرد بالقرارات، والعبث بالعيش المشترك، وغيرها من التوصيفات الدالة على «ضرب» الحزب لمفهوم «الدولة» بعرض الحائط، وهنا مكمن الاستغراب، فعن اي قرارات مشتركة يتحدث؟ وهل هناك في الاصل استراتيجية واحدة متفق عليها وقام حزب الله «بنسفها»؟ الجواب طبعا كلا. والسؤال البديهي هو هل ان السنيورة ومن يمثل كان موافقا اصلا على قواعد الاشتباك القديمة بين المقاومة واسرائيل «ليذرف الدموع» اليوم على «دفنها»؟ وهل كان حزب الله قد انتظر اصلا موافقته عليها قبل ان يعتمدها كاستراتيجية طوال السنوات الماضية؟
اضافت الاوساط: عندما اختار فريقه السياسي تبني «معادلة» «المغامرون» في العام 2006 وانتظر قرب «النهر» لتمر «جثة» المقاومة، هل كان يومذاك يمثل استراتيجية لبنانية جامعة؟ ام تفرد «ومغامرة» على رهانات خاطئة سببت الكوارث لتياره السياسي فيما بعد؟ وعندما اختار مع قوى 14 آذار الوقوف الى جانب «الثورة السورية» لاسقاط الرئيس بشار الاسد ، هل كان يمثل يومذاك الاجماع الوطني، وهل انتظر موافقة حزب الله على استراتيجيته، ام انه ادخل الساحة اللبنانية في حالة من الانقسام المذهبي والسياسي الحاد بعد ان سقطت المواعيد تلو الاخرى، والنتيجة، بشار لم يسقط، واصبحت القاعدة واخواتها على الحدود وداخله؟
اما لماذا وجدت تلك المجموعات التكفيرية ملاذا امنا في الداخل؟ فالسبب بسيط، تجيب الاوساط، لان السنيورة ومن يمثل تفرد ايضا في الرهان على هؤلاء لمواجهة حزب الله واضعافه، طبعا لم يسمعه احد يتحدث عن الاجماع الوطني والعيش المشترك يومذاك، اما تهمة التفرد في الخيارات «فقبض» عليه» متلبسا عندما انبرى للدفاع بأعلى صوته عن ظاهرة الشيخ الفار احمد الاسير؟ اذا المشكلة ليست في «ظاهرة» «التفرد» بالقرارات الكبرى والحرب والسلم، والخيارات الاستراتيجية، فهذا الامر ليس بالجديد والجميع يمارسه على «قدم وساق» في سياق اتفاق ضمني يطبقه الجميع دون الحاجة الى المجاهرة به علنا؟ اذا اين تكمن المشكلة؟
المشكلة في رأي تلك الاوساط تحمل بعدين رئيسيين، الاول يتعلق بالدور المنوط باسرائيل في الحرب السورية، والثاني يتعلق بموقع حزب الله على مستوى العالم العربي وفي الداخل اللبناني، فالحزب من خلال المعادلة الجديدة المعلنة، ومن خلال نجاحه في تحويل جريمة القنيطرة الى «فرصة»، استعاد زمام المبادرة بعد عملية مزارع شبعا، لكن الاهم انه اعاد تسليط الضوء على طبيعة الصراع الدائر في سوريا، واستعاد جزءا كبيرا من رصيده في العالم العربي والاسلامي باعتباره رأس حربة في مواجهة اسرائيل، بعد سنوات من التضليل الاعلامي لتصويره بانه قاتل «اهل السنة»، طبعا عندما وجه الاميركيون انتقادهم الى نتانياهو، ركزوا على هذه «النقطة» بشكل رئيسي، واعتبروا ان اسرائيل «كالبقرة التي قامت برفس دلو الحليب «، فواشنطن لم تفهم بعد ماهية تلك الحماقة التي اعادت تلميع «صورة» حزب الله مجانا. ومن هنا برزت الحاجة من جديد الى اعادة «تزييت» «الماكينة» نفسها التي عملت في الماضي على تشويه صورة حزب الله في محاولة لتقليل الخسائر، واعادة الامور الى «المربع الاول» قبل عملية القنيطرة، وهذا سبب اكثر من كاف لفهم خلفية تلك الجمل المتشابهة التي صدرت خلال الساعات القليلة الماضية.
وتلفت تلك الاوساط، الى ضرورة الاخذ في الحسبان ايضا المرحلة الانتقالية التي تمر بها المملكة العربية السعودية، فالسنيورة الذي يمثل «رأس حربة» للفريق الرافض للحوار مع حزب الله يعمل جاهدا للتاثير في «الضوء الاخضر» السعودي الذي سمح بانطلاق الحوار، وثمة محاولة جادة لاعادة الاعتبار لموقفه الداعي الى عدم منح حزب الله غطاء مجانيا لاستراتيجيته السورية عبر حوار يدفع تيار المستقبل من رصيده دون اي يحصل في المقابل على شيء، ومن هنا يمكن فهم اصراره على التصعيد الممنهج لجعل هذا الحوار دون اي قيمة تذكر، خصوصا انه يتقصد ابقاء التوتر المذهبي في البلاد على حدته، فيضخم صورة «هروب» اهل بيروت وفزعهم من اطلاق النيران في الهواء تزامنا مع اطلالة السيد نصرالله، مع علمه اليقيني ان الحزب كتنظيم ليس له علاقة بذلك، وقد سبق ان خرج السيد نصرالله بادانة علنية وشرعية واضحة لكل من يمارس هذا الفعل.
لكن الاهم من كل ما سبق من اسباب موجبة لهذا الانزعاج من معادلة السيد نصرالله، يتعلق بافساد الحزب للدور المنوط باسرائيل في الحرب السورية، فبعد فشل الخيارات الاخرى لاطاحة النظام، من خلال الدعم الخليجي والتركي والاوروبي والاميركي لقوى «المعارضة السورية»، تولت اسرائيل المهمة انطلاقاً من القنيطرة للسيطرة على جنوب دمشق وتطويق العاصمة ودخولها في وقت لاحق، ما يطيح كفة الانجازات التي حققها محور المقاومة خلال السنوات الاربع من عمر المواجهة. فاسرائيل عندما استهدفت كوادر «حزب الله» والضابط الايراني في القنيطرة ارادت حماية تدخلها هناك، بعد ان لمست تحولا ميدانيا كبيرا بعد «لمسات» الحزب في تلك الجبهة، ما سمح بالحد من انفلاش مسلحي النصرة في تلك المنطقة، وكانت «الرسالة» واضحة، «لن نسمح بقصير جديدة تقلب موازين القوى هنا». لذا كان رد «حزب الله» في مزارع شبعا رسالة في الاتجاه المعاكس مفادها ان محاولة الاسرائيلي للفصل بين ما يحصل في سوريا وباقي الجبهات مجرد وهم، فاذا ارادت اسرائيل ان تلعب «بالنار» فهي لن تكون بمنأى عنها، والدخول في الحرب السورية بشكل مباشرة لن يكون دون اثمان، والتدخل في الجبهة الجنوبية لترجيح كفة المعارضة المسلحة ستكون له ارتدادات سلبية، ومن هنا وسع السيد نصرالله مفهوم الردع، وخصومه يعرفون انه اذا نجح هذه المرة في لجم اسرائيل، فان الورقة الاخيرة المرجحة لكفة المعارضة السورية تكون قد «احترقت»، وهذا يعني سقوط الرهان الاخير على تغيير المعادلات في سوريا. وانطلاقا من معادلة «عدو عدوي صديقي»، يمكن فهم «القطبة المخفية» في خيبة الامل الواضحة عند كل من ازعجه نجاح حزب الله في استعادة المبادرة سريعا، والقلق لدى هؤلاء من تراجع الزخم الاسرائيلي على الجبهة السورية بعد ان لمس نتانياهو ان ثمن تدخله قد يكون باهظا هناك، وسط ارتفاع الاصوات «الهلعة» لكبح جماح تدخل رئيس الحكومة في الحرب السورية، والسؤال الذي بات يطرح في اسرائيل وبقوة، «اذا كنا قادرين على التعايش مع حزب الله مقابل مستعمرتي المطلة وكريات شمونة، فلماذا لا يمكننا ذلك في الجولان»؟
(الديار)