مقالات مختارة

إيران بعد الاتفاق النووي: تحديان رئيسان الياس فرحات

 

في 17 كانون الثاني 2016 دخل الاتفاق بين ايران ومجموعة “5+1” حول الملف النووي الايراني حيز التنفيذ. بموجبه تحررت ايران من الحظر الاقتصادي الخانق الذي فرض عليها لاكثر من اثني عشر عاما، وتوزع بين حظر دولي صادر عن مجلس الامن وحظر اقليمي صادرعن الاتحاد الاوروبي وحظر ثالث عن الولايات المتحدة .

اهم ما يشهده الوضع الجديد هو تحرير قطاع النفط ودخول ايران رسميا الى السوق النفطية العالمية وتحرير قطاع المصارف بحيث تم ربط المصارف الايرانية بنظام سويفت وباتت عمليات الائتمان والتحويل متاحة مع المصارف العالمية. ولعل الاكثر اهمية هو استعادة ايران ارصدتها المالية المجمدة منذ عهد الشاه ويقدرها المرشح الرئاسي الاميركي دونالد ترامب بـ 150 مليار دولار. تأتي هذه الاموال في وقت حرج يشهد تراجعا مضطردا في سعر النفط وهو السلعة الاساسية في الاقتصاد الايراني. وتسمح الاموال الآتية بتجديد طائرات النقل المدني وتطوير المرافىء وتطوير صناعة النفط واستخراجه.

لا شك ان تغييرا درما تيكيا يطرأ الآن على اقتصاد إيران وينعكس حكما على سياستها في المنطقة وهي مثار جدل كبير.

تواجه ايران تحديات جمة في المرحلة المقبلة والتحديان الرئيسان هما: في الخارج القضية الفلسطينية والصراع العربي-الاسرائيلي ودور ايران في المنطقة، وفي الداخل تحدي نشوء ليبرالية اقتصادية جديدة ترسم صورة الاقتصاد في الجمهورية الاسلامية بعد دخولها السوق العالمية.

منذ احتلال السفارة الاميركية واحتجاز الديبلوماسيين الاميركيين لمدة سنة واقفال السفارة الاسرائيلية وتحويلها سفارة فلسطين، شهدت ايران حملة تعبئة شعبية كثيفة وشاملة ضد الولايات المتحدة واسرائيل واضحى شعار الموت لاميركا والموت لاسرائيل لازمة سياسية في كل المناسبات تحكم الاداء السياسي الايراني والعلاقات الدولية للحكومات الايرانية. لا شك في ان الامور تتجه للتطبيع مع الغرب ومع الولايات المتحدة تحديدا من دون ان تتخلى ايران عن ثوابتها السياسية. في الآونة الاخيرة اكثر الايرانيون، على اختلاف مستوياتهم، من الحديث عن مصلحة ايران وخصوصا خلال المفاوضات الماراتونية حول الملف النووي الايراني. وفي مؤتمره الصحافي الاخير ردد المتحدث باسم الخارجية الايرانية جابر الانصاري تعبير مصلحة ايران اكثر من عشر مرات.

في العلاقة مع الغرب ومع الولايات المتحدة اعتمدت ايران البراغماتية السياسية ومراعاة مصالحها. اعتمدتها ايضا مع حلفائها، اذ لم تمنع العلاقات الروسية- الايرانية القوية الرئيس احمدي نجاد من تقديم دعوى قضائية في جنيف ضد الحكومة الروسية بسبب تأخرها في تسليم صواريخ س 300 وفقا للعقد الموقع بين الحكومتين. لكن عندما يصل الامر الى فلسطين يتحول الايرانيون الى الايديولوجيا ويتركون لغة المصالح. الموقف الايراني من اسرائيل جذري وغير قابل للتليين في ما يتعلق بالاعتراف بها اواجراء اي اتصال معها. عندما وقع زلزال في مدينة بام عام 2003 اعلنت الحكومة الايرانية انها مستعدة لاستقبال المساعدات من جميع دول العالم ما عدا اسرائيل.

التحدي الكبير امام ايران هو هل تتزحزح عن موقفها الايديولوجي تجاه اسرائيل خصوصا بعدما اعترفت بها دول عربية وهناك علاقات ديبلوماسية بينها وبين مصر والاردن، وبعدما زار مسؤولون اسرائيليون دولا في مجلس التعاون الخليجي والمغرب العربي كما ان سوريا الحليف الاستراتيجي لايران اجرت مفاوضات سلام مع اسرائيل بوساطة اميركية وبوساطة تركية ايضا.

كيف تكون علاقات ايران مع الفلسطينيين؟ السلطة الفلسطينية تلتزم باتفاقات امنية مع اسرائيل والمنشق عنها محمد دحلان يقيم اتصالات مع اسرائيل. اما “حماس” وهي الطرف الثالث فهي لا تجري اتصالات مع اسرائيل لكن علاقاتها مع ايران متوترة بسبب الازمة السورية. اذا ارادت ايران الدخول السياسي والديبلوماسي على خط النزاع العربي الاسرائيلي فان مسألة الاتصال مع اسرائيل غير مطروحة وهي تعتمد، اقله حتى الان، الدعوة الى المقاومة والكفاح المسلح ضد اسرائيل. من يمكن ان يستجيب لهذه الدعوة من الفلسطينيين علاقاته مع ايران متوترة والباقون لا يبدو انهم في وارد الاستجابة. اما “حزب الله” فهو ليس دولة ولا صاحبا اساسيا للقضية مثل الفلسطينيين.

اذا تزحزحت ايران ما بعد الاتفاق عن موقفها الجذري من اسرائيل فإنها ستواجه حتما عاصفة سياسية دينية تشكك في صحة مواقفها في العقود الثلاثة الاخيرة. تقف ايران فعلا امام تحدي الموازنة بين المصالح والايديولوجيا.

التحدي الداخلي هو النظام الاقتصادي المقبل في ايران. دستور الجمهورية الاسلامية ليس اشتراكيا بل هو اقرب الى النظام الرأسمالي الموجه من الدولة. البازار الايراني له كلمته في الاقتصاد علما انه من بين قيادات الثورة الاسلامية العديد من رجال البازار، ابرزهم الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني وهوحاليا رئيس مصلحة تشخيص النظام. السؤال البارز هو هل ان طبقة رجال الاعمال الايرانيين سوف تنمو مع تحرير الاقتصاد الى درجة تصبح ضاغطة في السياسة على حساب المؤسسات الثورية من الهيئات الدينية والحرس الثوري والمرشد الذي بات يمتلك مؤسسة حكم شبه متكاملة؟

من المبكر التنبوء بنشوء ليبرالية اقتصادية تتحول مع الوقت ليبرالية سياسية تشعل تناقضات في المجتمع الايراني. ايران المحاصرة من الغرب تحتمل تدابير حكم استثنائية خصوصا عندما تكررت التصريحات الاميركية التي تعلن “ان خيار ضرب ايران لا يزال على الطاولة”. بعد تنفيذ الاتفاق غابت خيارات الضربة العسكرية الغربية لكن هل يرافقها غياب للتدابير الاستثنائية في الحكم؟ واذا تم تخفيف تدابير الحكم الامنية والاقتصادية والسياسية هل نشهد صحوات او انتفاضات اوربيعا ايرانيا مثلا؟

ان تحدي الحفاظ على الاستقرار في مواكبة التحول الاقتصادي كبير ومعقد وتتداخل فيه السياسة والثقافة والدين والاقتصاد والمصالح الفئوية وغيرها.

ما يساعد ايران على مواجهة هذين التحديين هو الثقافة السياسية السائدة في ايران. لم يسجل اي اصطفاف داخلي في ايران على اساس قبلي او جهوي او طائفي كما هي الحال في معظم بلدان المنطقة وربما تركيبة ايران تساعد على ذلك رغم وجود اقليات أذرية وعربية وكردية وبلوشية وغيرها. كما انه لم يسجل في ايران فساد سياسي من قبل الممسكين بالسلطة. الرئيس المتشدد احمدي نجاد يعيش الان في منزل عادي ولا تبدو عليه علائم الرفاهية وشأنه شأن معظم الطبقة السياسية كان يسعى وراء السلطة لتحقيق اهداف سياسية وليس لجني ارباح مالية وغيرها. وأمر الفساد هو موضع مساءلة ومحاسبة تدخل في ثقافة الشعب الايراني.

هل تبقى الامور على ما هي عليه ام تتغير مع الليبرالية المقبلة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى