لذكرى الإمام الخميني

غالب قنديل
يقال الكثير في كل عام عن مآثر الإمام آية الله الخميني بمناسبة ذكرى رحيله بينما تقدم تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية صورة حية ومتطورة للمشروع الاستقلالي التحرري الذي رفع لواءه هذا القائد والزعيم المميز وحيث حققت إيران بصمودها وتطورها في جميع المجالات كثيرا من الإنجازات التي تحمل بصمته بعدما كان انتصار الثورة الشعبية الإيرانية بذاته تحولا تاريخيا كبيرا بالنظر لجبروت نظام الشاه البائد وقوته ولما مثله كقاعدة ارتكاز استراتيجية للهيمنة الاستعمارية على الشرق وكحليف أساسي للكيان الصهيوني .
طيلة أربعة عقود من القرن العشرين حفر الإمام آية الخميني في مسيرته اتجاها فكريا معاصرا للتيار الإسلامي المناضل والتحرري وقد تصدى للمفاهيم الرجعية التي روجت لتعميم نزعة الخضوع للاستعمار وللحاق بالحكومات التابعة والعميلة كما أرسى الخميني رؤية عقائدية معاصرة للإسلام المناضل والمقاوم الملتزم بقضية التحرر والاستقلال والعدالة ويمكن القول إنه ساهم في إطلاق حركة تنوير إنسانية بهوية إسلامية من خلال نزعته الأممية المناهضة للهيمنة والتخلف والاضطهاد والتي حرص على التعبير عنها بصورة مستمرة من خلال نداءات وكلمات عديدة ولعل الأهم ان الإمام الخميني لم يقدم تلك الأفكار في نصوص نظرية فحسب بل إنه رسم منهجيته التحررية بالممارسة من خلال قيادته للثورة في جميع مراحلها وعبر ما قدمه في مضمون مشروع بناء الجمهورية الجديدة بعد انتصارها.
فكرة الاستقلال والتحرر من الهيمنة الاستعمارية شكلت جوهر فكر الإمام الخميني الذي حمل وعيا تاريخيا متقدما في تعامله مع الكيان الصهيوني الغاصب ( الغدة السرطانية كما وصفه ) لكونه القاعدة المركزية للهيمنة الاستعمارية في المنطقة بحيث اعتبر النضال ضد هذا الكيان والصراع المستمر مع الصهيونية ومشاريعها التعبير الأدق عن النضال ضد منظومة الهيمنة الاستعمارية في المنطقة ومن هنا لم يكن تبني الإمام لمركزية قضية فلسطين مجرد عمل سياسي تكتيكي او مناورة تحاكي سلوك الحكومات العربية التابعة للغرب او استعمالا لشعار له قوة استقطاب وجاذبية مجربة بالنسبة للمنطقة وشعوبها بل إن فهما استراتيجيا لواقع الصراع في الشرق قاد الإمام الخميني إلى اعتبار نهوض إيران مستقلة وقوية رهنا بتبنيها لقضية فلسطين وبانحيازها إلى المعسكر العربي المقاوم والمناهض للصهيونية وهذا ما كان قاعدة تحالف راسخة مع الجمهورية العربية السورية والرئيس الراحل حافظ الأسد الذي قدم دعما كبيرا للثورة الإسلامية ولجمهوريتها عكس سير الحكومات الرجعية العربية التي تجندت لمحاربتها ولمحاصرتها ورمت ثقلها في السعي لتقويضها.
ها هي إيران الخميني التي صمدت طويلا ضد الحصار والعقوبات وحولت التهديد إلى فرصة إيران التي احتضنت حركات المقاومة في لبنان وفلسطين وإيران التي تشاركت مع حليفتها سورية مسؤوليات الدفاع عن الشرق ضد الغزوات الاستعمارية المتلاحقة منذ اجتياح لبنان عام 1982 وصولا إلى العدوان على سورية قبل خمس سنوات وهي تجد في كل ميدان من الصرع ضد الغزاة والمستعمرين ساحة للدفاع عن استقلالها فقد كانت إيران دائما على القائمة هدفا مركزيا وقد أدركت قيادتها انها كانت الهدف التالي في حرب تموز 2006 وكانت الهدف التالي بعد سورية 2011 وهي ما تزال في مرمى الاستهداف الصهيوني عسكريا وسياسيا وامنيا كما أنها هدف لعصابات التوحش الإرهابية التي استحضرت إلى العراق وسورية واستخدمها الحلف الغربي الصهيوني والحكومات الرجعية العربية لخوض حروب بالوكالة ولتعويض تراجع القدرة الصهيونية المردوعة والعاجزة عن المبادرة بفضل محور المقاومة.
يؤكد التاريخ أنه لا يمكن لحملات التشويه طمس الحقائق الساطعة مهما أثار الرجعيون من غبار لحجبها والحقيقة الراسخة اليوم هي ان الإمام آية الله الخميني كان زعيما تحرريا من الشرق أرسى دعائم نهضة حضارية كبرى لبلد كبير ومهم هو إيران وقاد حركة استقلال وتغيير في بلاده ساهمت في تحولات مهمة لصالح نهج التحرر ومقاومة الصهيونية على صعيد المنطقة برمتها لأن إيران التي تغيرت أسهمت في تغيير بيئتها الاستراتيجية لصالح الشعوب وحركات المقاومة والتحرر.
العبرة الأهم في تجربة الإمام آية الله الخميني هي النجاح في إرساء قواعد راسخة لاستمرارية النهج التحرري ولتطوره المتواصل بقيادة الإمام الخامنئي الذي قدم مساهمات كبيرة ونوعية فكريا وسياسيا على ذات الطريق الاستقلالي التحرري في مقارعة الاستعمار والصهيونية.




