مقالات مختارة

معركة الرقة: «غضب الفرات» تفقد حماستها – عبد الله سليمان علي

 

بين «غضب الفرات» و«درع الفرات» تتصاعد حدّةُ التعقيدات في شمال وشمال شرق سوريا. فمن جهة، بدا واضحاً أن عملية «عزل الرقة» تفتقر إلى الحماسة والسرعة، وتكتفي بالتقدم البطيء، رغم أن تنظيم «داعش» لم يبد حتى الآن مقاومةً شرسة في مواجهتها. ومن جهة ثانية، فإن جبهة مدينة الباب تعيشُ في ظلّ تهديدات متبادلة بقرب اقتحامها، سواء من قبل «الدرع» أو «الغضب»، فيما لا يزال الجيش السوري وحلفاؤه يلتزمان الصمت المُطبق منذ التهديد الأخير بإسقاط الطائرات التركية ومنع تجاوز الخطوط الحمراء.

ويبدو أن تصريحات المسؤولين الأميركيين حول إمكانية أن تلعب تركيا دوراً في عملية تحرير الرقة، دفعت قادة «غضب الفرات» إلى كبح جماح عمليتهم العسكرية والتباطؤ في التقدم على الأرض، بانتظار الاستيضاح عن حقيقة الموقف الأميركي وخلفياته وأبعاده.

وما يؤكد ذلك، أن معظم الشهادات التي حصلت عليها «السفير» من ناشطين إعلاميين في بعض القرى التي تتوافر فيها شبكة اتصالات تركية أو «نت» فضائي، مثل عين عيسى وتل السمن والعديد من المزارع في الريف الشمالي، تحدثت عن تراجع عناصر تنظيم «داعش» في جبهات القتال من دون أن يبذلوا جهداً كبيراً في التصدي للهجوم، الأمر الذي كان يفترض أن يواكبه تقدمٌ سريع لقوات «غضب الفرات»، وهو ما لم يحصل. ورأى أحد النشطاء الذي رفض الكشف عن اسمه، أن «المعركة الجارية هي بين طائرات التحالف الدولي ومفخخات التنظيم»، مشدداً على أن تنظيم «داعش» ليس له مصلحة في القتال في مناطق مكشوفة للطيران، لذلك يحاول التحصن في بلدة تل السمن وما يحيط بها»، حيث يؤكد الناشط أن المعركة الحقيقية ستبدأ هناك، والسبب في ذلك أن بلدة تل السمن تعتبر بداية المنطقة التي تنتشر فيها الغابات والمزارع، ما يجعل مهمة المدافع أسهل.

وجاء الموقف الذي صدر عن «لواء ثوار الرقة»، أمس، ليؤكد وجود خلافات جوهرية حول معركة الرقة. وفي تأكيد لما ذكرته «السفير» حول عدم مشاركة اللواء في «غرفة عمليات غضب الفرات»، قال محمود الهادي، عضو المكتب السياسي في «ثوار الرقة»، إن «اللواء ليس جزءاً من هذه المعركة»، معتبراً في تصريح صحافي أن ما يجري الآن «أمرٌ يخصُّ وحدات حماية الشعب فقط». وشدد على أنهم «سيشاركون بمعركة تحرير الرقة ولا يمكن لأي جهة كانت أن تمنعهم من ذلك»، مشيراً إلى وجود تفاهمات مع «التحالف الدولي» حول هذه النقطة، وهو ما يتقاطع مع تأكيدات المسؤولين الأتراك حول وجود تعهدات أميركية بأن تكون القوة التي تدخل إلى الرقة قوة عربية لا كردية.

ميدانياً، انصبّت جهود قوات «غضب الفرات» خلال الأيام الماضية على محاولة تطويق بلدة تل السمن بهدف إسقاطها نارياً عبر محاصرتها من عدة محاور. إذ بعد سيطرتها على مضخة المياه غرب البلدة، حاولت التقدم نحو قرية الهيشة الواقعة في شمالها، ونحو قرية خنيز الواقعة شرقها. وقد شهدت القريتان اشتباكات قاسية بين الطرفين وسط موجة نزوح للأهالي، خصوصاً بعد المجزرة التي ارتكبتها طائرات التحالف وسقط جراءها ما يقارب 26 شهيداً من المدنيين في قرية الهيشة. وبالإضافة إلى سلاح العربات المفخخة، يحاول التنظيم في سبيل احتواء الهجوم عليه في هاتين الجبهتين أن يعمل على توسيع الاشتباكات إلى محوري الهبساوي ومستريحة.

في غضون ذلك، علمت «السفير» من مصادر محلية في مزرعة تشرين شمال الرقة أن تنظيم «داعش» بدأ بتكثيف اللقاءات الدعوية مع العشائر والأهالي، محاولاً استغلال مخاوفهم من تقدم الأكراد من أجل استقطابهم وتجنيد الشباب في صفوفه، وهي الخطوات ذاتها التي اتبعها في منبج. وأشارت المصادر المحلية إلى أن عشرات الشبان انضموا بالفعل إلى صفوف التنظيم لأسباب عدة، منها تأثرهم بدعاية التنظيم من جهة، والخشية من ردة فعله إذا رفضوا القتال معه من جهة ثانية.

الباب بين تهديدين

من جهة ثانية، شكلت ثلاثة فصائل هي «كتيبة نور الدين» و «أحرار قباسين» و «شهداء قباسين» ما أطلقت عليه اسم «المجلس العسكري في قباسين» بقيادة الملازم المنشق يوسف الشبلي. وقالت إن هدفه هو تحرير بلدة قباسين من تنظيم «داعش» والتوجه لتحرير مدينة الباب. وجاء هذا التشكيل بعدما كثفت قيادات في «درع الفرات» تهديداتها بقرب موعد الهجوم على الباب، حيث شدد سيف أبو بكر، القائد العام لـ «فرقة الحمزة» في تصريحات صحافية، أمس الأول، على أنه «في الأيام القليلة المقبلة ستصل قوات المعارضة السورية إلى مشارف المدينة التي تعتبر الهدف الرئيس لعملية درع الفرات» مشيراً إلى «وجود وعود دولية وإقليمية بأن المعارضة هي من ستسيطر على الباب وتطرد داعش منها».

من جانبه، أعلن رئيس المكتب السياسي في ما يسمى بـ «لواء المعتصم»، مصطفى سيجري، أن «المرحلة الثالثة من درع الفرات ستكلل بالنجاح وسندخل قريباً للمدينة (الباب) مع توقعنا بمقاومة شرسة للتنظيم كونها تعتبر معقلاً استراتيجياً للتنظيم وهي مركز ولاية حلب الخاصة بالتنظيم».

وسيطرت فصائل «درع الفرات»، أمس، على قريتي الشيخ علوان وشدار لتصبح على مسافة سبعة كيلومترات عن مدينة الباب فقط.

لكنّ أحمد حسّو، القيادي في «قوات سوريا الديموقراطية»، أكد في حديث مع «السفير» أنهم «ينسّقون مع الأطراف المعنية من أجل تحرير مدينة الباب ومنع سيطرة الاحتلال التركي ومرتزقته عليها» من دون أن يذكر من هي هذه الجهات التي ينسقون معها. وشدد على «أننا لن نسمح للإرهابيين والمحتلين بالسيطرة على مدننا وقرانا، فهم الوجه الآخر لداعش»، مشيراً إلى انضمام ما يقارب الثلاثة آلاف مقاتل من أبناء مدينة الباب ومحيطها إلى «قسد» للمشاركة في معركة التحرير، وأنه هو واحدٌ منهم. يذكر أن حسّو في الأصل ينتمي إلى «جبهة الأكراد» التي شاركت في تأسيس «جيش الثوار» والذي انضمّ لاحقاً إلى «قسد».

ولم يستبعد حسّو أن تلجأ «جبهة النصرة» و «أحرار الشام» إلى تنفيذ تهديداتهما بالهجوم على مدينة عفرين، حسب ما سرّبت بعض التقارير الإعلامية مؤخراً، لكنه شدد على أن قواته مستعدة لمثل هذه الاحتمالات.

وكانت مصادر إعلامية محلية قد سربت معلومات حول تحضير كل من «جبهة النصرة» وحركة «أحرار الشام» لشن هجوم كبير على مدينة عفرين في ريف حلب الشمالي، انطلاقاً من مواقعها في ريف ادلب الشمالي المحاذي للريف الغربي لمدينة عفرين.

وذكرت المصادر أن التحضيرات قائمة لشن هجوم باتجاه ناحية جنديرس الواقعة في ريف عفرين الغربي، انطلاقاً من مناطق عقربات، وأطمة، وباب الهوى، حيث لا يفصل المناطق المذكورة بعضها عن بعض سوى منطقة جبلية.

ويهدف الهجوم بشكل رئيسي بحسب المصادر إلى قطع طريق الإمداد الواصل بين مدينة عفرين وحيي الأشرفية والشيخ مقصود، ذوي الغالبية الكردية والخاضعين لسيطرة قوات سوريا الديموقراطية.

(السفير)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى