الإثارة والسطحية في الإعلام

غالب قنديل
بعض ما نشهده في لبنان والمنطقة من فظائع وبدع في الأداء الإعلامي ليس حالة خاصة بل هو امتداد لظاهرة عالمية رافقت تمدد العولمة الاقتصادية والسياسية وتفشي التوحش الرأسمالي وليس من الفراغ ان الفورة الإعلامية المعاصرة في العالم وفي البلاد العربية بالذات واكبت حروب الإمبراطورية الأميركية والغزوات الاستعمارية الصهيونية في منطقتنا منذ حرب الخليج الأولى في مطلع تسعينيات القرن الماضي حيث شهدنا تحت الرعاية البريطانية والأميركية طفرة الفضائيات الخليجية بمصنفاتها الدينية المتطرفة وبمنصاتها الترفيهية النشطة وقنواتها الإخبارية السخية التي استقطبت إلى جانب الجرائد الدولية نخبا من كوارد الإعلام والصحافة والمشتغلين في السياسة والثقافة لا سيما في دول عرفت بنخبها القومية كسورية ولبنان والعراق ومصر وغيرها وبحيث تحول احتواء مئات الكوادر إلى استتباع سياسي واجتماعي وثقافي لنخبة تم إدماجها داخل آلية منظمة لتعميم مفاهيم ومواقف وخيارات مسبقة الصنع.
لم يأت من الفراغ توجه الإمبراطوريات الإعلامية الكبرى في العالم إلى استحداث قنوات فضائية ومحطات إذاعية باللغات الفارسية والكردية والعربية خصوصا خلال السنوات الأخيرة وبالتزامن مع الحروب والأحداث الكبرى التي هزت المنطقة منذ احتلال العراق وليس أبدا من الفراغ شيوع مدرسة التسويق الإعلامي والإخباري ومنهج تصنيع الأخبار والتلاعب بالمعلومات كأدوات تدخل حربي في العديد من البلدان العربية ومنها لبنان بالاعتماد على التحريض والإثارة للتحكم بعواطف الجمهور ودفعه نحو سلوكيات مبرمجة في سياق تحريك احداث واضطرابات تم التخطيط لاستيلادها بإحكام والغاية هي استبدال الوعي بالانطباعات التي تثير العواطف وتقود تفكير المتلقي عبر إيحاءت ورموز ومسلمات تحملها المواد البرامجية وحيث يتم تسخير جميع المواضيع لقيادة التسويق التجاري وبهدف الحصول على مردود مالي يتطلع إليه مالكو وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمقروء.
الصناعة الإعلامية كسواها من فروع الاقتصاد خاضعة في سلعها للعرض والطلب والرسالة التي يزعمها بعض الخطب هي عباءة تلبس لمضمون الخيارات فلا مقدسات عند الرأسمال اللاهث خلف الربح لا الوطن ولا القومية ولا السيادة ولا حقوق الإنسان التي امتهنت من كثرة ما تمت المتاجرة بها إعلاميا على أيدي منتهكيها بقيادة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وبعض الحكومات التابعة.
تلك الصناعة هي جزء عضوي من نظام عالمي تسيطر عليه قوى رأسمالية عالمية متعددة الجنسيات وعابرة للقارات وفي السنوات العشرين الماضية ظهرت حالات تمرد على سطوة تلك القوى المتمركزة في الولايات المتحدة التي تحركت لفرض عقوبات تناولت البث الفضائي والمداخيل الإعلانية والحسابات المصرفية لعشرات وسائل الإعلام العاصية التي رفضت الخضوع والإذعان وفي حدود تلك الحالات يمكن الحديث عن إعلام حر او تحرري مقاوم يحمل رسالة إعلامية حقيقية خارج حلقات الكذب والخداع .
يقتضي الفهم العميق للعملية الإعلامية الجارية معاينة متأنية لموقع كل من وسائل الاتصال والإعلام بالتوازي مع ثورة التكنولوجيا في العصر الرقمي ولعل التوصيف الواقعي من زاوية مدى مخاطبة العقل والفكر يفترض وضع الصحافة المقروءة في مقدمة التصنيف بسبب طبيعة الخدمة الإعلامية الصحافية التي تتضمن إضافة إلى الخبر موادا أخرى كثيرة منها المقالة والتقرير والمقابلة والتحقيق وهي تفرض معاينة متأنية من القاريء فتستنفر عقله وتفكيره وهي مورد تثقيف فعلي للجمهور اما الوسائل المسموعة فهي أقل عمقا من الصحافة لكنها تتسم بمقدار مقبول من العمق بينما تغوص المواد التلفزيونية في مستويات أشد تسطيحا معرفيا وفكريا ما خلا البرامج الوثائقية الجدية في حين تأخذ موجات التسطيح وشبق التسويق حوارات التلفزيون إلى الإثارة والفضائحية بحيث يصنف المتحدثون الهادئون ومن يخاطبون العقول في الدرجات الدنيا من الأهمية أمام نجوم الإثارة والتهييج الطائفي والسياسي.
في هذا المناخ تلعب شركات التسويق والبرمجة الأميركية والبريطانية دورا محوريا في تعميم انماط وانواع من البرامج الترفيهية والسياسية تخدم استراتيجيات الترويج الإعلاني وقد نجحت في تعميم أفكار ونماذج لبرامج عديدة جرى استنساخها لإعادة بثها بلغات عالمية إلى جانب الأنكلوسكسونية التي أنتجت بها للمرة الأولى وغالبا ما تقدم الشركات المالكة للحقوق سلة ترويجية مع النسخة المباعة فتؤمن للمحطات الشارية رعاة إعلانيين من الشركات العالمية الكبرى للتسويق وحجوزات مغرية ومؤخرا بدأت تلك الشركات متعددة الجنسيات الأميركية المركز تبتدع انماطا جديدة من الترويج غير المباشر بإقحام سلعها في قلب النسيج الحي للمواد البرامجة بحيث تستخدم التقنيات الرقمية الحديثة التي تتيح عرض مشاهد وصور ومقاطع صوتية ترسخ في عقل المتلقي وتقود سلوكه الاستهلاكي من غير أن ينتبه او يعي انه تحت سيطرة نمطية مبرمجة.
لقد دخل المال السياسي إلى العملية الإعلامية بقوة منذ زمن بعيد والأدلة المعاصرة حاضرة في بعض ما تكشف عن برامج التمويل السرية للصحف والقنوات الإذاعية والتلفزيونية الأوروبية والعالمية التي قادتها المخابرات الأميركية المالكة على سبيل المثال لغالبية أسهم ديرشبيغل الصحيفة الألمانية الذائعة الصيت وفي لبنان يكفي السؤال عن لائحة المؤسسات المرئية والمسموعة والصحف التي أبرمت اتفاقات مع مكتب التواصل الأميركي في دبي لمعرفة سر انخراطها في حملات سياسية هجومية ضد حركات المقاومة والدولة السورية وإيران وتقيدها بالقوائم الأميركية السوداء التي تحظر عليها إظهار شخصيات واحزاب سياسية تعادي السياسة الأميركية في المنطقة اما عن المال الخليجي ودوره فالكثير يمكن ان يقال وفعله ملموس مباشرة في مضمون التوجهات والحملات الإعلامية … التحكم بالعقول يفترض تسطيحها ونزع أظافرها النقدية لشحنها بالغرائز والانفعالات عبر الإثارة وتلك هي وظيفة المدرسة الإعلامية المهيمنة في العالم .




