انتداب فرنسي جديد
غالب قنديل
انتزع الرئيس الفرنسي ما كرون مكانة الوصي السياسي على الدولة اللبنانية بالوكالة عن الولايات المتحدة والمملكة السعودية ( وإسرائيل ضمنا ) منذ اعتقال الرئيس سعد الحريري وقيام الرئيس الفرنسي بتحضير سلة الشروط التي أفرج عن الحريري بموجبها ويبدو واضحا ان رئيس الحكومة تبنى تلك الشروط وأمن إقرارها في مجلس الوزراء حيث وضع سلامته الشخصية مع عائلته على الطاولة وهو بات مقتنعا بصواب موقف ولي العهد السعودي كما قال لصحيفة نيويوركر التي نشرت تحقيقا مطولا عن اعتقال الحريري في الرياض ذكرت فيه بعض وقائع الضرب والتعذيب الذي تعرض له ونقلت وقائع من النقاش العاصف بين الرئيس الفرنسي ماكرون وولي العهد السعودي محمد بن سلمان قبيل ترك الحريري والسماح له بالمغادرة.
سلة الشروط سميت بالنأي وادعى مروجوها انها تضمن إبعاد لبنان عن المحاور العربية والحقيقة هي مكرسة لإبعاد لبنان عن سورية وإيران وروسيا وقد صدرت تصريحات لوزير الخارجية تلقي الضوء على نية التكيف مع تلك العملية المفروضة تحت الابتزاز في لقائه الشهير عبر قناة الميادين الذي أثارت حوله الضجة كلمات الوزير الشهيرة عن حق الكيان الصهيوني بالوجود حيث صرح أيضا بأن الاتصال مع سورية سيجري على مستوى السفراء ولن يتخطى ذلك راهنا بينما تثور شكوك كثيرة عن ضغوط أميركية وفرنسية وسعودية ادت إلى تعليق التحضيرات لتوقيع بروتوكول تعاون عسكري بحري مع روسيا وتأجيل البت بموعد تلبية رئيس الجمهورية للدعوة الرسمية التي تلقاها من إيران ومن سورية بعد انتخابه.
ما يدفع للاستنتاج بأن لبنان سيوضع تحت انتداب فرنسي جديد بالإضافة إلى تلك الشروط السياسية التي تمس السيادة الوطنية التي قبلتها السلطة اللبنانية تحت غطاء ضمان سلامة رئيس الحكومة هو ما يجري في تحضيرات مؤتمر سيدر الذي ترعاه فرنسا تحت عنوان مساعدة لبنان اقتصاديا وقد كشفت التقارير الصحافية ان مجلس الوزراء لم يناقش فعليا لائحة المشاريع والاقتراحات التي أعدها فريق استشاري اختاره رئيس الحكومة سعد الحريري بالتعاون مع فريق فرنسي وأن الفريق الفرنسي اشترط آلية صارمة لمتابعة التوصيات والمقررات المسماة إصلاحية وهو سوف يقود تلك الرقابة والمتابعة بعد المؤتمر أي انه سيفرض وصاية اجنبية على الحكومة اللبنانية وسيتدخل في كل شاردة وواردة اقتصادية ومالية وربما نجد مراقبا فرنسيا في كل وزارة لمتابعة التوصيات ومراقبة النفقات.
تنطوي تلك التوصيات على تغييرات هيكلية في الاقتصاد اللبناني وتتضمن إدخال الشركات الخاصة الأجنبية والمحلية إلى جميع الخدمات العامة غير المخصخصة ومنها الكهرباء وشبكة الهاتف الثابت ووسائل الإعلام العامة بالإضافة إلى مرافق المياه والمستشفيات الحكومية والضمان الاجتماعي وممتلكات السكة الحديد ومصفاتي النفط في طرابلس والزهراني والأتوسترادات والمرافيء وغيرها.
إن الوجه الاقتصادي لهذه الوصاية هو الأشد خطورة لأنه سيكون قيدا مسبقا وصارما على أي حكومة لبنانية تشكل بعد الانتخابات ( سر التوقيت والاستعجال ) وأي حكومة لاحقة وهذا هدف واضح ومعلن لجميع الضغوط التي تمارس لمنع لبنان من التواصل مع سورية بعد انتصارها على العدوان الاستعماري الأميركي الأطلسي السعودي الصهيوني ومن أي شراكة مقبلة مع إيران وروسيا والصين.
الإنجاز المزعوم في باريس الذي يعد به الحريري ليس مجرد فصل جديد من سلسلة الديون وهدر اموال اللبنانيين في خدمة الدين وتكاليفه بل هو إطار لوصاية اجنبية تقودها فرنسا ستكبل لبنان اقتصاديا وسياسيا تمنع عليه كثيرا من فرص الشراكة الشرقية ليبقى مستعمرة غربية.
يجب ان يفهم انصار الخيار الوطني المقاوم ان الرضوخ لهذه السياسات والتعايش معها ليس من التعقل في شيء بل هو تفريط خطير بتضحيات الشعب والجيش والمقاومة في الدفاع عن الاستقلال والسيادة.
إسقاط الوصاية الأميركية السعودية الفرنسية ( الصهيونية طبعا ) سيكون المهمة المركزية التالية لأي فريق وطني وعلى هذه الحقيقة ستبنى المواقف والخيارات وكل كلام آخر ليس سوى ذر للرماد في العيون.




