مقالات مختارة

الانتخابات البلدية استحقاق مسيحي بامتياز ابراهيم ناصرالدين

 

«اجهض» دبلوماسي غربي محاولة مسؤول حكومي معني بادارة ملف الانتخابات البلدية، تسويق هذا الاستحقاق على انه «انجاز» لبناني عام، في ظل «الحرق الكبير» في المنطقة، ولو يوفق الوزير ايضا بنسب هذا النجاح الى شخصه، عندما ذكره هذا الدبلوماسي بأن النجاح «البلدي» لا يمكن ان يعوض الاخفاق الرئاسي، او التمديد للمجلس النيابي، فمجرد اجراء انتخابات ليس انجازا، والدليل ان سوريا في ظل الحرب الدائرة اجرت انتخابات رئاسية، واخرى نيابية، فاين الانجاز اللبناني المحقق؟

طبعا سؤال لا يحتاج الى «جواب»، ولا حتى اعتراض، لان تكبير «حجر» الاستحقاق «البلدي» مجرد محاولة للتغطية على فشل الدولة المترنحة بكافة اجهزتها وقواها السياسية التي تدير «حفلة» الانتخابات وفق حسابات ضيقة، ولولا المستجد المسيحي لما كان لهذه الانتخابات اي «رائحة او طعم» سياسي يمكن صرفه لاحقا على المستوى الوطني، او بشكل ادق محاولة «صرفه» في السياسة لان لا شيء مضمون في هذا السياق. طبعا هذا لا يلغي ايضا بعض «الحروب الصغيرة» التي يخوضها البعض لتجاوز تحديات داخلية مستجدة.

اوساط سياسية في 8آذار، ترى في الانتخابات البلدية «استحقاقا» مسيحيا بامتياز، فالنائب وليد جنبلاط لا يواجه اي تحديات وازنة لموقعه داخل الطائفة، ومعارضوه لا يخوضون هذا الاستحقاق بشكل ندي فالكل يدرك حجمه وسياخذ حصته. التفاهم بين «الثنائي» الشيعي «يتحدى الملل» فهو الغى عمليا التنافس الجدي في غالبية البلديات. اما «الثنائي الشيعي» فلا يرى في الاستحقاق الانتخابي حدثا يستحق ان تبذل لاجله جهود مضنية او تعلق عليه نتائج سياسية، فما تبحث عنه الاحزاب المسيحية تحقق شيعيا منذ سنوات، ولم يعد مهما بالنسبة لحركة امل وحزب الله «العداد» التمثيلي، فليس مهما اذا كانت حركة امل تمثل نحو ربع الشيعة، وما تبقى اما مؤيد لحزب الله او جزء من التنظيم، فلغة الارقام انتفت مع المصلحة العليا للثنائي الشيعي في دفن «التنافس» الذي تحول يوما الى «احتراب»، ولذلك فان الاستحقاق «البلدي» في المناطق «الشيعية» تحكمه قواعد ثابتة تقوم على اعطاء هامش اوسع للعائلات، الالتزام بقواعد التفاهم المبرم بين الطرفين عام 2010 مع الابتعاد قدر الامكان من ترشيح الرموز الحزبية والاستعاضة عنها بمقربين من «الحزب» «والحركة»، مع تسجيل فارق جوهري بالمقارنة مع «الثنائي المسيحي الوليد، هو ان الاتقاق من «فوق» على القضايا الاستراتيجية محسوم بين الحركة والحزب فيما يبقى هامش الخلاف من «تحت» على القضايا التفصيلية المحلية قائما، وهو امر معكوس لدى الثنائي المسيحي.

اما «تيار المستقبل» فلا يواجه تحديات كبيرة تخرجه من دائرة احتكاره للتمثيل السني، مهما بلغ اخفاقه في بعض البلديات، فقط يخوض الرئيس الحريري حروبا «صغيرة» داخل «البيت الازرق»، وهو يريد هذا الاستحقاق عنوانا «تاديبيا» لكل من سولت له نفسه الخروج من «بيت الطاعة» المستقبلي، وهدفه «المنشود» هو وزير العدل المستقيل اشرف ريفي، عبره يريد «تأديب» «الخوارج» ليكون عبرة لغيره، اما باقي المعارك فهي لا تعدو كونها تفاصيل غير مؤثرة بالنسبة الى «التيار الازرق» الذي لم ولن ينفق من «جيبه» على هذه الانتخابات وطلب الى «الرعاة» المحليين من المتمولين المناطقيين ورؤوساء اللوائح التكفل بمصاريف اليوم الانتخابي….

طبعا للحريري نوايا مبيتة تبرز من خلال محاولة التاثير في نتائج بعض الانتخابات لتوجيه «رسالة» احتجاجية الى القوات اللبنانية، ولا يغيب عن باله امكانية تدفيعها ثمن التحالف مع التيار الوطني الحر، وفي هذا السياق اخفق جعجع في جلسته الاخيرة مع «الشيخ» سعد في الحصول على موقف واضح من النوايا الانتخابية للكتلة السنية في زحلة، وحصل من الحريري على كلام عام حمّال للاوجه، عندما وعده بترك الحرية للناخبين!وهذا يعني صراحة هروبا الى الامام من خلال عدم تقديم اي التزامات، وهو موقف سلبي وفقا «لقاموس» القوات اللبنانية…

هذه هي طموحات الحريري، لكن «الثنائي» المسيحي يريد من الانتخابات البلدية شيئا آخر، فهذا الاستحقاق هو اول تجربة واختبار جدي بعد تفاهم معراب بين «القوات» والتيار الوطني الحر، ويسعى كل من عون وجعجع «بالارقام» تثبيت تمثيلهما لاكثر من 85 بالمئة من المسيحيين، ليس الامر مهما فقط لتثبيت موقفهما الراجح في الانتخابات الرئاسية، وانما الاهم هو انعكاس هذه التجربة على النقاش العقيم حول قانون الانتخابات النيابية في اللجان المشتركة.

اوساط مسيحية معنية بالاستحقاق، تشير الى ان الثنائي المسيحي يدرك جيدا ان هذه الارقام لا يمكن ان تصرف في اقناع الاخرين بتبني ترشيح الجنرال عون للرئاسة، فمعضلة عدم انتخابه لا ترتبط بقدراته التمثيلية، الحريري كان واضحا في اللقاء الاخير مع جعجع عندما حدثه صراحة على عدم الرهان على اي تبدل في الموقف من الاستحقاق الرئاسي بناء على نتائج الانتخابات، «فالمسألة خارج اطار هذه الحسابات «الضيقة»، وهي ترتبط بالوضع الاقليمي والتفاهمات بين السعودية وايران، وهو امر غير متاح راهنا، وبذلك قطع الطريق على الثنائي المسيحي لاستغلال الارقام المحققة في الانتخابات البلدية «رئاسيا»…

هذه «المعادلة» لا تغيب عن ادراك التيار الوطني الحر، والقوات اللبنانية، ولذلك فان «العيون شاخصة» على مكان آخر، الماكينات الانتخابية لدى الطرفين تعمل منذ الان على اساس ان هذا الاستحقاق الانتخابي يشكل بروفة للانتخابات النيابية، وليس الرئاسية، والنتائج المفترض تحقيقها ستحسم بشكل نهائي الموقف من القانون الانتخابي الجديد، ومن المفارقات «المثيرة» ان الثنائي المسيحي يتجه في حال نجاح «الروفة» «البلدية» الى تبني استراتيجية اغراق النقاشات داخل اللجان المشتركة في دوامة القوانين المطروحة في محاولة منه لمنع التوصل الى حلول وسطية ترضي جميع الاطراف، واجراء الانتخابات وفق قانون الستين، لماذا؟ لان القانون المختلط بين النسبي والاكثري، لن يكون في صالحهما بل سيعطي الخصوم المسيحيين «حصة» يمكن تلافيها في القانون الاكثري، في المقابل فان النسبية ستكون في صالح تيار المستقبل في المناطق «المختلطة» خصوصا في الشمال والبقاع…

وانطلاقا من هذه المعطيات لا يخوض «الثنائي المسيحي» الانتخابات تحت عنوان تحسين ادارة شؤون الدولة، اورسم سياسة خارجية للبلد تنسجم مع دوره وقدراته، بالطبع ليس صراعا مسيحيا على امتيازات فقدت بعد «الطائف» ولن تعود بسهولة، وليست حرب الغاء جديدة، وانما تحديد احجام يمكن الاستثمار عليها من داخل السلطة لاحقا لتحقيق مكاسب ضمن الحصة المتاحة ويمكن القول ان الثنائي المسيحي يخوض اولا واخيرا معركة «احتكار» التمثيل المسيحي، ولعل المثال الابرز على ذلك ان المواجهة مع حزب الكتائب ليست على الرؤية الاستراتيجية لموقع لبنان، وقد تكون الكتائب اقرب للقوات من «العونيين» في هذا الملف، لكن معركة «الحكيم» تخاض لتحجيم الكتائبيين للانتهاء من «المعايرة» التاريخية القائلة بان «القوات» ولدت من «رحم» حزب آل الجميل….. اما «العبرة» فتبقى في النتائج، وفي امكانية نجاح «الثنائي» المسيحي في تحويلها الى «مكاسب» جدية؟؟

(الديار)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى