كباش روسي – اميركي في حلب ابراهيم ناصرالدين
اذا كان تفعيل التفاهمات الاميركية – الروسية في سوريا مستحيل قبل الحسم في حلب، واذا كانت واشنطن مصممة على توظيف ورقة جبهة «النصرة» في المواجهة المفتوحة مع خصومها في المنطقة؟ واذا كانت الاستدارة التركية «بطيئة» وتحتاج الى وقت… واذا كان الحوار اليمني في الكويت قد انهار، «والطريق» امام الحوار السعودي – الايراني مقطوع، فهل من عاقل كان يظن ان الحوار اللبناني يمكن ان ينجح؟؟
الجواب هو قطعا لا، تقول اوساط قيادية في 8آذار، لكن رئيس مجلس النواب نبيه بري كان يخوض محاولة يائسة لانقاذ ما يمكن انقاذه قبل دخول البلاد في اتون «حفلة الجنون» في المنطقة وهو ما اسماه «ابو مصطفى» «بالعصفورية الكاملة».. ووفقا للمعلومات، ادرك بري قبل ساعات من انعقاد جلسات الحوار ان الامل بالخروج من المراوحة الحالية مجرد «سراب» وذلك بعد ان وصلته اصداء الساعات الطويلة التي أمضاها أعضاء كتلة «المستقبل» في «بيت الوسط» عشية انعقاد «الطاولة» الحوارية، حيث نجح الرئيس فؤاد السنيورة في فرض اجندته على المجتمعين على الرغم من وجود الرئيس سعد الحريري في اللقاء..
طبعا النقاشات يومها لم تنته إلى قرارات أو مواقف حاسمة حول الاجندة المقترح مناقشتها في الحوار الوطني، ونجح السنيورة في تثبيت المواقف منها، خصوصا ان الحريري كان واضحا في تأكيده ان لا معطيات سعودية جديدة في اي من الملفات المطروحة، وترك مهمة التسويف لممثله على «الطاولة»، وابلغ الجميع انه سيغيب بعض الوقت في اجازة «صيفية» خاصة… وترك لرئيس كتلة المستقبل النيابية ابلاغ المجتمعين بان لا صحة لاي معلومة تتحدث عن إمكانية الموافقة على ترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، وان التمسك بترشيح النائب سليمان فرنجية مستمر في غياب اي تسوية جدية يمكن النقاش بها مع الطرف الاخر..اما بالنسبة لقانون الانتخاب فكان الرأي واضحا لجهة عدم القبول باي حل يقود الى اعتماد القانون النسبي خصوصا ان الاصلاحات في الطائف لم تشر الى هذا الامر من قريب او بعيد «وهي «ورقة» جيدة يمكن استخدامها لعرقلة اي توجه في هذا السياق»..
طبعا هذا الموقف «السلبي» «فرمل» اندفاعة بري وباتت طموحاته اكثر تواضعا، خصوصا انه يدرك بان حزب الله لن يحيد عن ترشيح الجنرال عون، واي تسوية خارج هذا الاطار لن تجد طريقها نحو النجاح، وبالتالي فان فتح «البازار» الرئاسي مع «الجنرال» تحت عنوان «كل شي بحسابو والعدس بترابو»، لم يحن موعدها بعد، على الرغم من نضوج «الفكرة» عند «صديقه اللدود» النائب وليد جنبلاط الذي خفف هو الاخر من اندفاعته كي لا يحرق المراحل…
هذه الاجواء القاتمة في الداخل ليست الا مجرد انعكاس للواقع الاقليمي والدولي السيء، هذه المعطيات لا تغيب عن بال الرئيس بري الذي يعرف ان ما يحصل في الشمال السوري سيكون له ما قبله وما بعده في المنطقة برمتها، وما حصل في الميدان خلال الساعات القليلة الماضية يشير الى ان حجم المواجهة في حلب كبير للغاية، وتخوض فيه كافة الاطراف معركة «حياة او موت»، فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان يهمه ان يصل الى موسكو وفي جعبته انتصار عسكري يفاوض عليه مع الرئيس فلاديمير بوتين، السعودية وقطر تستميتان للدفاع عن المدينة لان عودة حلب الى كنف النظام السوري تعني خسارة الحرب في سوريا… أما روسيا وايران فتسعيان الى وقائع ميدانية على الارض تقوي أوراقهما التفاوضية عندما يحين موعد الجلوس على «الطاولة». ولهذا يبدو الحديث عن مواعيد مضروبة لاستئناف حوار جنيف مجرد «ثرثرة» غير واقعية، وقبل أن ينجلي غبار المعركة في حلب لن يحصل اي حوار جدي… الانباء السيئة جاءت ايضا من الكويت لتزيد الرئيس بري اقتناعا بان زمن التسويات لم يحن بعد، الساحة اليمنية تقف امام اختبار عسكري قاسي لتعديل ميزان القوى، بعد فشل الحوار السياسي «الماراتوني».. وهو استمع وفهم جيدا معنى قول رئيس لجنة الامن القومي في مجلس الشورى الايراني علاء الدين بروجردي ما قاله علنا بعد ساعات مستشار الامام الخامنئي، علي اكبر ولايتي ، بان السعودية مستمرة في سياساتها الانتحارية، وايران غير مهتمة بالحوار معها راهنا على ملفات المنطقة…
وللصراع ابعاد دولية اكثر خطورة، والمعطيات الديبلوماسية في بيروت تشير الى ان الادارة الاميركية الحالية تسعى جاهدة لانجاز ما يمكن استثماره في الانتخابات الرئاسية، وفي هذا السياق وبعد ان حدد وزير الخارجية الأميركي جون كيري اليوم الأول من شهر اب كموعد نهائي لمرحلة الانتقال السياسي في سوريا، اتضح ان كلامه كان مجرد فشل جديد لاستراتيجية اميركا في سوريا، حيث نجحت موسكو في تسجيل المزيد من النقاط لصالحها، ومن هنا فان الكباش» الاميركي الروسي يكبر ويزداد حدة، المواجهة المفتوحة في حلب زادت التوتر بين الولايات المتحدة وروسيا، حيث طالب أوباما نظيره الروسي فلاديمير بوتين بوقف الهجمات على المعارضة، وزادت انتقادات البيت الأبيض للدعم الروسي للجيش السوري كما شكك أوباما في خطابه الأخير، بنوايا بوتين… واشنطن لا تزال تراهن على تلك المجموعات وهزيمتها تعني عدم قدرة واشنطن على تنفيذ استراتيجيتها وخروجها من «دائرة التاثير» في الاحداث، وفي ظل الخيارات المحدودة أمام واشنطن بسبب عدم قدرتها على تعديل اتفاقية الهدنة التي لم تشمل مدينة حلب وفي ظل عدم واقعية تنفيذ الخطة البديلة «باء» يبقى امام واشنطن فرصة وحيدة هو انقاذ الجماعات الموالية لها من هزيمة مدوية داخل المدينة لعدم منح الروس فرصة لفرض شروطهم في المستقبل فيما يتعلق بالتسوية السياسية المحتملة…وهذا ما ظهر بشكل واضح في الميدان خلال الساعات القليلة الماضية حيث لعبت المعلومات الاستخباراتية دورا حاسما في المواجهات، اضافة الى الدعم اللوجستي الهائل للمسلحين، ما ادى الى رفع جزئي للحصار عن حلب وتراجع الجيش السوري الى نقاط خلفية..
الجميع بات يدرك ان المواجهة طويلة ومعقدة، ولن تنتهي بين ليلة وضحاها، وهذا ما دفع الرئيس بري الى التحذير من «العصفورية» الكاملة على الساحة اللبنانية في غياب اي ضمانة جدية في الاستمرار بتحييدها عن المواجهة المفتوحة على كافة الاحتمالات، بعد تحذيرات ديبلوماسية تفيد بان اي من الاطراف المشاركة في الصراع، لن يتوانى عن استخدام «الورقة» اللبنانية اذا ما شعر انه يحتاج اليها لتعديل ميزان القوى او التعويض عن خسارته في مكان آخر، ولذلك فان الهم الاول في المرحلة المقبلة سيكون منصبا على الدفع في اعطاء «اوكسجين» للحكومة كي تفعّل دورها وعملها بعيدا عن الانزلاق الى مربع الخلافات حول الملفات العالقة.. وبما ان المعطيات غير قابلة للتبدل قبل موعد الجلسة الحوارية المقبلة في الخامس من ايلول، فان الاهتمام سينصب على تهيئة الاجواء لاجراء الانتخابات النيابية في موعدها، بعد ان حسم الرئيس بري موقفه بشكل قاطع حول عدم امكانية التمديد.. من المتوقع استمرار المراوحة وتمييع الوقت وستكون العودة الى قانون الستين حتمية، فيما يستمر الحوار الوطني جزءا من الفلكلور اللبناني لان احدا لا يجروء على الانسحاب منه، لكن «المطر» لن ياتي قبل ان «تغيم» فوق المنطقة التي تتجه نحو المزيد من «العواصف»… ومن هنا قلق بري من الدخول في «عصفورية» كاملة…
(الديار)