موقف روسي تاريخي

غالب قنديل
منذ زمن بعيد لم تحظ دولة مستقلة بدرجة عالية من التضامن والتحالف في الدفاع عن استقلالها بمثل ما تحظى به الجمهورية العربية السورية مؤخرا في مجابهتها للتهديد الاميركي بالانتقال من شن الحرب بواسطة عصابات الارهاب التكفيري الى غزو بحري وجوي بواسطة الجيوش والأساطيل الاميركية.
اللافت في كل ما يجري هو حرارة التضامن والحزم الروسي الذي يعكس تخطيطا استراتيجيا طويل الامد مع القيادة السورية وسائر الحلفاء وخصوصا مع الصين وايران لدرجة يظهر فيها ان محور سوريا العالمي والاقليمي يخوض الصراع على مستقبل العالم انطلاقا من أحياء حلب الشرقية في هذه الايام.
لقد شكل دعم صمود سوريا خيارا منهجيا اتخذته ايران منذ بداية العدوان وعمل بموجبه حزب الله حزب المقاومة اللبنانية الذي شخص الاوضاع والتهديدات مبكرا وادرك بلسان السيد حسن نصرالله حقيقة الحرب على سوريا واهدافها الكبرى في المنطقة وفي العالم ضمن مخطط بسط الهيمنة الاحادية واستعمال الارهاب والتكفير لتدمير الخصوم والمنافسين، والموقف الروسي الذي انطلق بالفيتو الصيني الروسي المزدوج منذ بداية الاحداث في عام 2011 كان مؤشرا على طبيعة النظرة الروسية لما يستهدف سوريا بوصفه حرب استعمارية بالوكالة حشدت لها قوى التكفير والتوحش من كل انحاء العالم ويجري التخطيط لإعادة توجيه تلك الاداة الحربية الاميركية الى ساحات أخرى في مقدمتها روسيا نفسها والصين وايران كما حصل تماما في أفغانستان قبل ثلاثة عقود حيث تنقلت المخابرات الاميركية والسعودية بوحدات القاعدة من طورا بورا الى ساحات كثيرة كانت منها يوغوسلافيا السابقة وكانت منها مصر والصومال ودول عديدة استهدفت بالويل الاميركي الدموي الذي مثلته فصائل التكفير والتوحش.
ويبدو واضحا ان الولايات المتحدة الاميركية خططت باتقان لتطوير هذه الاداة ولتعزيز قدرتها على الحركة والتكيف فرفعت لها أكثر من يافطة ومنحتها أكثر من اسم وقدمت لها السلاح والمال بواسطة السعودية وقطر وتركيا لتجعل منها قوة فتاكة قادرة على النيل من خصوم الولايات المتحدة ومنافسيها والذين يعصون مشيئتها على امتداد العالم. ولذلك فحلفاء سورية الامميون ينطلقون اليوم من حقيقة ان الرئيس بشار الاسد يدافع عن استقلال هذه الدولة وهذا الشعب في وجه العدوان الاستعماري تلك هي الحقيقة الحاسمة التي تشكل محور التطورات والاحداث ويبدو بكل وضوح من السلوك الروسي الذي تصاعد بشدة في وجه التهديد الاميركي ان روسيا تنطلق من رؤية شاملة للواقع الدولي وهي تناهض الهيمنة الاحادية الاميركية وتسعى كما اعلن الرئيس بوتين في خطبه الاخيرة الى اقامة توازن دولي جديد وتحرير العلاقات الدولية من الهيمنة الاحادية الاميركية .
كتب الكثير وقيل الكثير عن المصالح الروسية المباشرة في سوريا وهي مصالح استراتيجية وسياسية واقتصادية بعيدة المدى وليست طارئة او عابرة واذا كان البعض يلح في التذكير باختلاف الظروف الحالية عن الزمن السوفياتي السابق شكلا ومضمونا فجوهر الصراع الجيوسياسي يؤكد نفسه لان روسيا القوة العالمية الحاسمة من الزمن القيصري الى الزمن السوفياتي تستعيد مكانتها بفضل خصائصها الجيوسياسية وامكاناتها الاقتصادية وقدراتها العسكرية وموقعها الفاعل في الخارطة الدولية وهي لذلك تتوثب اليوم لتفرض حضورها واحترامها ولتحمي امنها القومي انطلاقا من سوريا.
عبارة الامن القومي الروسي تكررت كثيرا في كلمات الرئيس فلاديمير بوتين وفي تصريحات الوزير سيرغي لافروف لا سيما في وصف السلوك الأميركي المتغطرس الذي يستهدف روسيا بالذات ولذلك الحضور الروسي في سوريا له وظائف كثيرة لكن جوهرها روسي بالتمام.
ان نص المرسوم الرئاسي الروسي عن تعليق العمل باتفاقية البلوتونيوم يقدم دليلا على الخلفية العميقة للسياسة الروسية في سوريا وللمواقف الاخيرة والاجراءات والتدابير العسكرية التي اتخذتها القيادة الروسية في التحسب لاحتمال شن عدوان اميركي على سوريا فمن الواضح ان روسيا عازمة على ازالة جميع مخلفات واثار مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وهذا هو معنى الشرط الروسي الواضح في مرسوم فلاديمير بوتين والمتعلق بتفكيك القواعد العسكرية والمنشئات وسحب القوات التي ركزها الناتو في الجوار الروسي منذ العام 2000 بقيادة اميركية وهذا ما يمثل بعدا استراتيجيا شاملا يجب ان تقرأ من خلال الاحداث والشرط المتعلق بالتأكيد على فرض احترام الكرامة القومية الروسية ورفض الاستهانة بموقع روسيا من خلال العقوبات التي عاملت بها الاتحاد الروسي وتصرفت معه كواحدة من الدول التي تستبيح سيادتها وتعتدي عليها وتسعى لإخضاعها غير آبهة بالقوة الروسية والمكانة الروسية وبالكرامة القومية الروسية ولذلك فاشتراط الرئيس بوتين لاستئناف العمل باتفاقية البلوتونيوم الغاء جميع العقوبات والقوانين التي استهدفت روسيا منذ الازمة الاوكرانية يعكس هذا البعد المهم والنوعي في السلوك الروسي هي ليست انتفاضة غضب هي تتويج لاستراتيجية هادئة مدروسة ميزها الصبر الاستراتيجي على حد قول وزير الخارجية الروسية يوم أمس في مراكمة اسباب القوة وحيث كان صمود سوريا حجر الزاوية في المعادلات الجديدة التي تتشكل في العالم هذه الايام.
تطور تاريخي غير مسبوق يمثله الاعلان عن كون اي غارة اميركية عدوانية تستهدف الجيش العربي السوري على أرض سوريا من الان فصاعدا عنوانا لعدوان على القوات الروسية الموجودة في سوريا يعادل في الواقع اعلان الاجواء السورية أجواء روسية ونطاقا سياديا روسيا مشمولا بكل موجبات الدفاع التي حشدتها القيادة الروسية ومكنت الجيش العربي السوري منها على الارض وهي بذلك تقول للأميركي المتغطرس ان اي عدوان على سوريا سيعامل بوصفه عدوانا على روسيا وربما هي المرة الاولى في التاريخ التي يكون فيها التضامن الاممي بهذا المحتوى ففي الزمن السوفياتي السابق عندما كانت فيتنام عرضة للغارات الاميركية التي استهدفت العاصمة هانوي رفع تشي غيفارا القائد الاممي الثوري التاريخي شعارا عنوانه فلتعلن فيتنام سماء اشتراكية ولم يحصل ذلك رغم نداء غيفارا ورغم الحاح الكثير من القوى التقدمية في العالم على مطالبة الاتحاد السوفياتي بتوفير الغطاء الجوي المناسب لحماية سماء فيتنام. انتصر الشعب الفيتنامي بعد سنوات كلفته الكثير من الدماء والتضحيات وكان هناك دعم روسي غير منقطع للثورة الفيتنامية ولجمهورية فيتنام الديمقراطية في الشطر الشمالي لكن الامور لم تصل الى هذه الدرجة التي بلغها التضامن الروسي مع سوريا في هذه الايام وهو حدث تاريخي نوعي لا يستحق الاحترام فقط والتقدير بل يجب ان يكون جزءا من تقييم شامل للتوازنات الجديدة التي يشهدها العالم ولطبيعة المحور العالمي الجديد الذي يتشكل حول سوريا في سبيل اسقاط الهيمنة الاميركية الاحادية التي فرضت على العالم منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.
ان القادة الاميركيين وجنرالات البنتاغون وزعماء السي اي ايه مضطرون اليوم لمناقشة خياراتهم التي يلوحون بها على قاعدة اعتبار ان اي تحرش عسكري اميركي بالجيش العربي السوري سيقود الى اشتباك مباشر مع القوات الروسية الموجودة في سوريا وربما يتطور الى ما هو ابعد من ذلك وهو ما حدا بجون كيري بكل واقعية ان يقول للمعارضين السوريين الذين التقاهم في نيويورك كما نقلت تسجيلات النيويورك تايمز انه جحيم عالمي كبير لا يمكن لاحد ان يتحمل مسؤوليته او نتائجه في العالم كله.
روسيا اليوم تدافع عن مصالحها الاستراتيجية عن كرامتها القومية عن امنها الوطني الذي يهدده التخطيط الاميركي بنقل عصابات الارهاب من سوريا الى الفناء الروسي وهي بالدرجة ذاتها وانطلاقا من احترامها لاستقلال وسيادة الدولة السورية تلبي نداء التضامن والشراكة الاممية مع دولة مستقلة مقاومة تدافع عن سيادتها في وجه العدوان الاميركي المتواصل منذ سنوات.
يمكن اليوم وبعد تشكل هذا المحور العالمي حول القلعة السورية ان نقول ان عالما جديدا يولد والقرار الروسي بشأن حماية السماء السورية من العدوان الاميركي هو فعلا قرار تاريخي غير مسبوق والاتحاد الروسي يثبت انه قوة داعمة للشعوب الحرة للدول المستقلة الرافضة للهيمنة وهو يقيم علاقاته على الندية والشراكة مع الرئيس بشار الاسد انطلاقا من هدف مشترك يبغي تخليص العالم من الاميركي المتغطرس والمعتدي الذي يسخر عصابات الارهاب والتكفير لتدمير المجتمعات ولاستنزاف الدول.




