ماذا كشفت الانتخابات الفرنسية ؟

غالب قنديل
جاءت الانتخابات الرئاسية في فرنسا تكشف عمق المأزق الذي تعيشه الدول الغربية مع تداعيات العولمة وتناقضاتها وتأثيراتها الاجتماعية والسياسية وكانت نتيجة الدورة الولى تعبيرا عن حدة الاستقطاب السياسي الذي وزع مجموع الناخبين على أربع كتل رئيسية تقدمتها كتلة الرأسمال المالي المرتبطة بالمجموعات العابرة للحدود وكتلة انصار الجبهة الوطنية الحاضنة لجميع نزعات الطبقات الوسطى المهزوزة اجتماعيا وقوميا واقتصاديا والتي مستها الأزمات والتهديدات وبينما ظهر تيار يساري شعبوي خلف المرشح ميلانشون على طريقة الديمقراطي بيرني ساندرز في الانتخابات الرئاسية الأميركية بالتوازي مع كتلة اليمين الليبرالي التي يقودها فرانسوا فيون مع فارق أن الأزمة في فرنسا أجهزت على هياكل الأحزاب التقليدية فتلاشى الاشتراكيون والديغوليون وذابوا في الكتل الأربعة الكبيرة وظهر مرشحوهم الرسميون في أسفل قائمة النتائج.
أبرز الملاحظات المنهجية التي ينبغي تسجيلها حول الانتخابات الفرنسية وما يقال حولها في الإعلام العربي:
اولا إن القوى الخفية التي يتردد أنها صنعت صورة المرشح ماكرون واخرجته من الحزب الاشتراكي ومن فريق الرئيس هولاند لتلميعه وخوض المعركة الرئاسية به ليست طارئة او مجهولة في تاريخ فرنسا السياسي ومعاركها الانتخابية.
فقد سبق ان انتدبت مجموعات المال والمصارف متعددة الجنسيات القابضة على الاقتصاد الفرنسي مرشحين انتزعتهم من الهياكل السياسية التقليدية وهكذا انتجت شخصية فاليري جيسكار ديستان وسابقة ما عرف بالجيسكارية في اليمين الفرنسي والتي دشنت مسارات الخصخصة واللحاق بالركب الأميركي وتدمير العديد من خصائص النظام الرأسمالي الريناني الذي رعته الديغولية في فرنسا ومن ثم وضعت هذه القوى يدها فعليا على هياكل الحزب الاشتراكي واليمين الديغولي معا وهو ما عبرت عنه مرحلتا نيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند والفارق بالنسبة لماكرون انه تكنوقراطي لا تاريخ سياسيا له باستثناء خدمته في إدارة هولاند النيولبرالي المتصهين حتى مخ العظم.
ثانيا إن التعامل الإيديولوجي التوصيفي مع ظاهرة لوبن عاجز كليا عن تفسير صعودها فالاكتفاء باستحضار نعوت من نوع الفاشية والعنصرية والعداء للمسلمين لا يقدم فهما علميا لهذه الظاهرة والفاشية كمصطلح ليست شتيمة اخلاقية او نعتا سياسيا بل هي بالأصل ظاهرة اجتماعية سياسية نشأت في ظل الأزمات الكبرى وكانت تعبيرا عن رد فعل الطبقات الوسطى اتجاه التهميش والانهيار الاقتصادي الاجتماعي لأوضاعها ولذلك عرفت أحزابها سابقا في التاريخ الأوروبي بالتيارات الاشتراكية القومية.
من الواضح ان الجبهة الوطنية تتبنى برنامج الخروج من الاتحاد الأوروبي وهي تحتوي النزعة القومية المناهضة للعولمة وتحاول بحملاتها العنصرية محاكاة مخاوف الطبقات الوسطى والعمالية من منافسة الأيدي العاملة الوافدة في مقابل دعوتها لتبني أولوية مكافحة الإرهاب ومراجعة الموقف من سورية ولو حصرنا المعاينة في زاوية انعكاس المواقف من منطقتنا لوجدنا مقابل التطرف ضد المهاجرين المسلمين ان لوبن تتخذ من العدوان على سورية موقفا قريبا من فكرة الإنحياز إلى الدولة الوطنية السورية وتدعو لمراجعة السياسة الفرنسية على هذا الصعيد بينما يتبنى ماكرون موقف هولاند المطابق للموقفين الصهيوني والأميركي في هذا المجال وحتى فيون الذي هلل له بعض العرب لم يتخط حدود الدعوة لمراجعة السياسة الفرنسية حول سورية ثم تراجع في فصول حملته الأخيرة لمغازلة اللوبي الصهيوني الأميركي في فرنسا بموقف عدائي ضد سورية.
ثالثا ما تؤشر عليه النتائج هو حقيقة علمية تختصر بدخول المجتمع الفرنسي حالة من الاضطراب والغليان نتيجة تناقضات العولمة وازمة الركود العالمي المديد وحيث يضغط مأزق الهوية والحدود ومستقبل التكتل الأوروبي القاري بجميع اعبائه وتناقضاته.
مخاض هذه الأزمة الاقتصادية السياسية والثقافية المركبة يعيد تشكيل الحياة السياسية الفرنسية ويظهر ذلك من خلال اضمحلال الاحزاب الرئيسية وهلامية الكتل الناخبة الكبرى باستثناء كتلة ناخبي الجبهة الوطنية المتراصة والعاجزة في المقابل عن تحقيق اختراق واسع للكتل الأخرى يسمح لها بقيادة تحالف عريض نتيجة تكوينها السياسي والعقائدي وتاريخ التخندق التقليدي في مواجهتها الذي جمع غير مرة ناخبي التيارات المقابلة بصورة عابرة لليمين واليسار والوسط كجمهور بحيث التصقت بصورتها الرائجة فكرة التهديد الشامل للحياة السياسية الفرنسية.
بعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية وأيا كانت النتيجة سيكون عهد اضطراب سياسي واجتماعي في ظل استمرار التأزم الاقتصادي الطويل ومع غياب أي مخارج جدية وعدم تبلور قوى قادرة على على التقاطها حتى اليوم.




