لا للوصاية الاستعمارية الغربية
غالب قنديل
منذ نجاح المقاومة في طرد الاحتلال الصهيوني انطلقت مرحلة جديدة من السياسة الأميركية الأوروبية اتجاه لبنان تصاعدت وتحولت إلى نسق عدائي هجومي منذ انقلاب الغرب على ما عرف بتفاهمات ريتشارد مورفي مع الرئيس الراحل حافظ الأسد عشية مؤتمر الطائف وكان ذلك مصاحبا لانقلاب إقليمي آخر في السياسة الغربية خصوصا بعد احتلال العراق وهو تفعيل خطة أميركية اوروبية لإخضاع سورية التي رفض رئيسها الدكتور بشار الأسد عروض الالتحاق بالهيمنة والخضوع لها رغم الإغراءات التي حملها إليه وزير الخارجية في إدارة دبليو بوش الجنرال كولن باول ومن ثم انتقل التخطيط الغربي إلى استهداف سورية لتدميرها وفي كل ذلك بعد لبناني يتصل بالمقاومة ودورها المتعاظم.
تركزت خطة الغرب لحماية الكيان الصهيوني على محاصرة المقاومة من الداخل سياسيا وطائفيا لمحاولة تعريتها من أي حاضنة وطنية عابرة للطوائف وجمعت دول الغرب الاستعماري بين أدوات متعددة منها العقوبات المالية والمصرفية التي طالت الاقتصاد اللبناني والمصارف اللبنانية ومنها حملات الشيطنة وتشويه السمعة التي أفصح السفير الأميركي السابق جيفري فيلتمان عن حجم الأموال الأميركية التي أنفقت في سياقها مبالغ ضخمة ( كانت الكلفة خلال سنوات خدمة فيلتمان في عوكر كما قال خمسمئة مليون دولار) صرفت لشراء ولاء صحف ومؤسسات مرئية ومسموعة وكتاب ومتحدثين إعلاميين وسياسيين ضمن خطة منهجية للنيل من سمعة المقاومة ومحاصرتها.
قام نموذج النظام اللبناني الاقتصادي بعد الطائف على قاعدة ريعية استعان الرئيس الراحل رفيق الحريري لتسويقها ولفرضها بإيديولوجيا النيوليبرالية الغربية ومفاهيم العولمة الأميركية الخاصة بالعالم الثالث التي تنطوي على تصفية المرافق العامة وتتبنى مقولة فشل القطاع العام لصالح الخصخصة الشاملة وتم تكييف التشريعات والمؤسسات العامة بما يناسب هذه الرؤية وكانت تلك الوصفة قرينة اليد المرفوعة للحكومات تحت شعار حرية السوق فتمت بها عملية تحصين شاملة للاحتكارات الكبرى الممسكة بسوق استهلاكي تضاعفت تبعيته للغرب وكان هذا النموذج قد تأسس مباشرة بعد حرب السنتين برفع الدعم عن المحروقات وعن الطحين والخبز وقبل سنوات من قدوم الحريري ووزير ماليته المختار فؤاد السنيورة وإطلاق مشروعه الإعماري لوسط بيروت وتأسيس اللبنة الأولى للفقاعة العقارية والمالية التي التهمت فرص النمو المنتج.
تجذر هذا النموذج وتوسع من خلال سحق القطاعات الإنتاجية التي أبيحت امام المنافسة غير المتكافئة في السوق المحلية وحرمت جذريا من أي دعم حكومي لخفض كلفة الإنتاج الصناعي والزراعي ومع الامتناع الكلي والمنظم عن أي جهد جدي لعقد شراكات تجارية مع دول المحيط العربي تسهل تصريف المنتجات وتوسيع أسواقها.
في ظل النظام الريعي التابع لهيمنة الغرب توسعت هوة التآكل المالي والتدهور الاقتصادي وارتفعت كلفة السياحة في لبنان نتيجة التضخم وفي غياب أي خطط لتصنيع السياحة أولتطوير مرافقها وخدماتها فقد اقتصرت الجهود الحكومية طيلة ثلاثين عاما على نداءات وخطوات سياسية وإدارية لتسهيل قدوم السياح الخليجيين الذين تقهقرت قدرتهم الشرائية في سنوات الركود الأخيرة واستقطبت معظمهم بلدان عديدة طورت سياحتها وقدمت خدماتها الأقل كلفة والأكثر إتقانا كما وظفت جهودا مهمة في تسويق مرافقها السياحية وبناء صورة جاذبة للزوار ومع تراجع قدرة لبنان التنافسية مسافات خطيرة إلى الوراء بفعل ارتفاع كلفة العيش فيه.
حرمت سائرالقطاعات المنتجة من التوظيفات والاستثمارات الجديدة باستقطاب الرساميل والودائع إلى المضاربة الريعية المالية والعقارية مع سياسة المصرف المركزي التي قامت على تثبيت سعر صرف الليرة ومع الاستغراق في حلقة الاستدانة بفوائد مرتفعة بلغت معدلاتها المركبة في التسعينيات الأربعين بالمئة في حين كانت آلة الدين الحكومي المفرط تلتهم المدخرات والتحويلات وقد أشعل الضوء الأحمر لعجز النموذج عن الاستمرارعام 2002 فانطلقت سلسلة مؤتمرات باريس الاسعافية وصرفت قروضها لاحتواء أزمة النموذج اللبناني التابع وتأجيل انهياره ضمن منهجية شراء الوقت بينما تصاعدت مؤشرات المصاعب التي تخنق القطاعات المنتجة وتضاعفت ضغوط الركود العالمي والإقليمي في السنوات الأخيرة وارتفعت حدة الضغوط الأميركية والأوربية الهادفة لمحاصرة المقاومة وتكييف البنية السياسية اللبنانية مع شروط الهيمنة الغربية في المنطقة والتي تستند إلى شراكة عضوية مباشرة ومتينة مع قاعدة الغرب الاستعماري الكيان الصهيوني الغاصب في فلسطين المحتلة.
مؤتمرات دعم لبنان التي تقودها فرنسا تقليديا منذ سنوات وبتفاهم مع السيد الأميركي تعرض مؤخرا على اللبنانيين مقايضة سياسية مالية سافرة بين حقن الإنعاش بعد الانهيار والتسليم بضرورة تقليص حجم المقاومة وحلفائها في معادلة القرار الحكومي وبالتالي تكييف البنى السياسية بما يضمن الهيمنة الغربية الصهيونية وحيث يشكل ملف الترسيم البحري والبري مجرد مؤشر تفصيلي على هذه الوجهة بما فيها من أطماع لصوصية وهيمنة سياسية.
ما ظهر في بيان باريس الأخير من شروط لضخ القروض تضمنتها التصريحات الغربية المواكبة والأميركية خصوصا (مايك بومبيو ومعاونه ديفيد شينكر وجيفري فيلتمان وكيلي كرافت ) وحيث يطلب من الحكومة المقبلة الخضوع الكلي لتوجيهات صندوق النقد الدولي وكذلك الخطوات المقترحة لتطبيق سلة سيدر التي تفضح تحضيرات خطيرة لتنصيب هيئة وصاية منتدبة على لبنان ستملك صلاحيات توجيه ورقابة يومية مالية وسياسية فوق قرار السلطات السيادية اللبنانية.
لبنان على المفترق الصعب وعليه الاختيار بين الانصياع للوصاية الاستعمارية او إسقاطها بمقاومة شعبية تتبنى برنامجا وطنيا للإنقاذ أوله التحرر من الهيمنة وشق الطريق الوطني لإعادة البناء وللشراكة القومية والشرقية العابرة للحدود ومن هنا تبدأ فرص الحل الحقيقي والجذري.




